ابن أبي مخرمة
395
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
منه حاسدوه من الدّرسة ، فوشوا به إلى الشيخ ، فوقع في نفس الشيخ ، وعزم على امتحان الفقيه بحضرة الناس ، فأمر الشيخ بإحضاره عند صلاة الجمعة على رؤوس الأشهاد ، فكان يسأله عن مسائل مشكلات ، فيجيبه الفقيه عن كل مسألة بفرع من « الروضة » حتى جاء على أربعين مسألة ، فأذن المؤذن للعصر ، فترك سؤاله . وبلغني أن الفقيه علي بن محمد المذكور كان يقول : لو زاد سألني . . لم يحضرني جواب ، فعد ذلك من جملة كراماته رحمه اللّه ونفع به . ثم إنه خرج إلى بلده حبان ، فأقام بها أياما ولم ينتظم له بها أمر المعاش ، فأنشأ برحبة محصن ، قرية غلب عليها اليوم اسم الحوطة بأسفل وادي عمقين ، وعمر حواليها مواتا ، وفطر به أبيارا ، وأقام هنالك على أحسن سيرة ، وأطهر سريرة ؛ يكرم الضيف ، ويؤمن الخائف ، وينشر العلم ، وظهر له من الكرامات ما يجل عن الحصر ، ومنها : أنه كان يرى جبريل وميكائيل . ومنها : أنه إذا أشرف في البئر يكلمه ويقول له : إنك ستملكني . . فيكون كذلك . ومنها : إخباره عن المغيبات ، إلى غير ذلك مما لا يحتمل الموضع بسطه . وله قصيدة مطولة مباركة ، مشهورة الفضل ، يتوسل فيها بالكتب المنزلة ، والملائكة المقربين ، والأنبياء والمرسلين ، والأولياء والصالحين ، أولها : [ من الطويل ] لمن خاطر بالهمّ والغم يشحر * وجسم به النيران تلظى وتسعر وجسم نحيل من مآثر ما به * وعقل عقيل الرأي في الأمر مفكر وجربت لنجاح المطالب ، وقضاء المآرب . ولم يزل رحمه اللّه على الحال المرضي إلى أن توفي في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وثمان مائة . وله ذرية صالحة ، وفيهم كثرة ، ومنهم الفقهاء والصالحون ، يطعمون الطعام ، ويؤثرون المقام ، لا يكاد يسافر منهم أحد إلا النزر اليسير ، مدة الزمن القصير . وأما أخوه الفقيه العالم الرباني إسماعيل بن محمد . . فستأتي ترجمته قريبا إن شاء اللّه تعالى في سنة أربع وثلاثين « 1 » .
--> ( 1 ) انظر ( 6 / 397 ) .